الشريف الرضي
84
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فالجواب : أن امرأة عمران قالت عند حملها بمريم عليها السلام : ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا . . . - 35 ) ، فاشترطت ما في بطنها بالنذر ، فكان ذلك منها بعد القعود واليأس من الولد ، فنذرت أن تجعل ولدها ( الذي من الله عليها بحمله ) سادنا ( 1 ) يخدم بيت المقدس طلبا للقربة ، وخروجا من حق النعمة ، وكان لا يجوز لخدمة بيت المقدس إلا الذكران ، فلما وضعتها أنثى قالت متعذرة إلى ربها ، ومشفقة من ألا يتقبل نذرها : ( رب اني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى ) ، أي : في المعنى الذي أردته من التقريب بالذكر وتصييره خادما لبيت المقدس ، لان الأنثى لا تصلح من ذلك لما يصلح له الذكر ، لأجل ما يلحقها من الحيض والنفاس ، ويلزمها من الصيانة عن التبرج للناس ، ولأنها إذا خالطت الرجال افتتنوا بها ، واستضروا بمكانها ، فتقبلها الله تعالى وأجراها مجرى الذكر في التقرب به وتحريره لخدمة بيته ولم يفعل ذلك بأنثى غيرها ، تمييزا لها من نظائرها ، ومعنى محرر أي : جعلته نذيرة [ 2 ] خالصا ، وكلما أخلص ولم يعلق بشئ غيره فهو محرر . ومنه تحرر الكتاب ، وهو : إخلاصه من سودائه [ 3 ] . ومنه قولهم : حررت الغلام ، ومعناه : جعلته خالصا لنفسه وأزلت ملكي عن رقبته . ومنه رجل حر ، أي : خالص من العيوب . والطين الحر : ما خلص من الرمل والحمأة [ 4 ] ، وكأن المحرر هو المفرغ
--> ( 1 ) السادن : خادم بيت العبادة . ( 2 ) : الولد الذي يجعل قيما أو خادما لبيت العبادة ذكرا كان أو أنثى . ( 3 ) يريد المسودة ( وهي عند الكتاب ما يكتب ابتداء بقصد المراجعة ) ولم يسمع ذلك . ( 4 ) : الطين الأسود المتغير .